أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

198

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1418 - ولست بذي نيرب فيهم * ولا منمش منهم منمل « 1 » وفي ميمها الضم والفتح . والغيظ : مصدر غاظه يغيظه أي : أغضبه ، وفسّره الراغب بأنه أشدّ الغضب قال : « وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه » قال : « وإذا وصف به اللّه تعالى فإنما يراد به الانتقام . والتغيظ : إظهار الغيظ ، وقد يكون مع ذلك صوت . قال تعالى : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً « 2 » . والجملة من قوله : « وَتُؤْمِنُونَ » معطوفة على : « تُحِبُّونَهُمْ » ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة . وقال الزمخشري : « والواو في « وَتُؤْمِنُونَ » للحال وانتصابها من « لا يُحِبُّونَكُمْ » أي : لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله ، وهم في ذلك يبغضونكم فما بالكم تحبّونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم » . قال الشيخ « 3 » : « وهو حسن ، إلّا أنّ فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه ، وهو أنه جعل الواو في « وَتُؤْمِنُونَ » للحال وانتصابها من « لا يُحِبُّونَكُمْ » ، والمضارع المثبت إذا وقع حالا لا تدخل عليه واو الحال تقول : « جاء زيد يضحك » ولا يجوز : « ويضحك » . فأمّا قولهم : « قمت وأصكّ عينه » ففي غاية الشذوذ ، وقد أوّل على إضمار مبتدأ أي : « وأنا أصكّ عينه » فتصير الجملة اسمية ، ويحتمل هذا التأويل هنا أي : ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله ، لكنّ الأولى ما ذكرناه من كونها للعطف » يعني فإنه لا يحوج إلى حذف بخلاف تقدير مبتدأ فإنه على خلاف الأصل . وثمّ جملة محذوفة يدلّ عليها السياق ، والتقدير : وتؤمنون بالكتاب كله ولا يؤمنون هم به كلّه ، بل يقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض . قوله : بِغَيْظِكُمْ يجوز أن تكون الباء للحال أي : موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم ، وهو كناية عن كثرة الإسلام وفشوّه ، لأنه كلما ازداد الإيمان زاد غيظهم . ويجوز أن تكون للسببية أي : بسبب غيظكم . وقوله : مُوتُوا أمر ومعناه الدعاء ، وقيل : معناه الخبر أي : إن الأمر كذلك ، وقد قال بعضهم : « إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الدعاء لأنه لو أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعا على هذه الصفة فإنّ دعوته لا تردّ ، قد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآية ، ولا يجوز أن يكون بمعنى الخبر لأنه لو كان خبرا لوقع على حكم ما أخبر ولم يؤمن أحد بعد ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يبق إلا أن يكون معناه التوبيخ والتهديد ، ومثله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ « 4 » « إذا لم تستح فاصنع ما شئت » « 5 » . وهذا الذي قاله ليس بشيء ؛ لأنّ من آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء إن قصد به الدعاء ، ولا تحت الخبر إن قصد به الإخبار . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 120 ] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) وقرأ العامة : إِنْ تَمْسَسْكُمْ بالتأنيث ، مراعاة للفظ « حَسَنَةٌ » ، وقرأ أبو عبد الرحمن بالياء من تحت ، لأن تأنيثها

--> ( 1 ) انظر البيت في اللسان ( نمش ) . ( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 12 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 40 . ( 4 ) سورة فصلت ، آية ( 40 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري 10 / 523 ، كتاب الأدب ( 6120 ) .